|
أيها الضباط، يا رجال قوى الأمن الداخلي أتوجه إليكم اليوم، وأنا أتسلَّم الأمانة من المدير العام السابق، بعد أن شرَّفتني الحكومة اللبنانية بتعييني مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي، أتوجه إليكم لأضعكم في صورة الواقع الذي نعيشه في هذه الأيام العصيبة.
قدرنا في هذا الوطن الصغير أن نتعرَّض بين الحين والآخر لزلازل وهزَّات أمنية وسياسية وإقتصادية وتعوَّدنا أن نخرج منها منتصرين على الجراح والآلام.
ولكن الزلزال الأكبر الذي هزَّ لبنان والعالم العربي بل العالم كلُّه، كان حدث إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري "تغمده الله برحمته"، الذي قلب التوازنات وهزَّ الكيانات ووحَّد صفوف اللبنانيين المتباعدة، حيث رفع الجميع العلم اللبناني وإلى جانبه مطلب "نريد الحقيقة، حقيقة من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري" لقد إهتزت لهذا الحدث الزلزال،
كل مؤسسات الدولة اللبنانية ومن جملتها المؤسسات والأجهزة الأمنية التي كان لا بدَّ أن تواكب المرحلة الآتية بطموحاتها. وهذا ما حمل الحكومة على إجراء التعيينات اللازمة تمهيداً لوضع الأمور في نصابها وتبيان الحقيقة المطلوبة، وبخاصةٍ أمام لجنة التحقيق الدولية التي بدأت طلائعها بالوصول من أجل التحقيق في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد الحريري.
ونحن، قوى الأمن الداخلي، المؤسسة الأقدم والأعرق في هذا الوطن، لن نترك مفهوم الأمن يهتز في ضمائر اللبنانيين وأذهانهم. فالأمن كما قال معالي وزير الداخلية والبلديات العميد حسن السبع، خطٌ أحمر، يُحظَّرُ تجاوزه من قبل أيٍّ كان أجل الأمن أيها الرجال، كما نفهمه، ليس نقيضاً للحرية وإنما هو المناخ السليم الذي تنمو فيه الحريَّات. ففي مناخ الفوضى تنتحر الحريَّات وتتقهقر الحضارات.
يا رجال قوى الأمن الداخلي، إننا اليوم على أبواب مرحلة جديدة تأسيسية لوطن جديد لا يقوم على الأحقاد ولا يحمل في قلبه الثأر وتصفية الحسابات. وعلينا تلبية المطالب التي جاهرت بها الأجيال الجديدة والتي خلَّصت البلد من القديم البالي. علينا أن نطبِّق هذه المبادىء الإنسانية في جميع قطعاتنا ومخافرنا وسجوننا ونظاراتنا وجميع أماكن التوقيف والإحتجاز، وبذلك نكون رجالَ أمنٍ وإنضباط وإحترام للنظام وليس عسكريين متسلطين نتجاوز القوانين.
إن المهمات الملقاة على عاتقنا في المرحلة القريبة القادمة كثيرة إنما هناك أولويات وتأتي في مقدمتها: أ– مواكبة لجنة التحقيق الدولية المولجة بكشف الحقيقة في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ب– الإستعداد التام لإجراء الإنتخابات النيابية بحياد ونزاهة وتوفير أمنها. وتعرفون مدى صعوبة هذا الدور وبخاصةٍ في هذه المرحلة المصيرية بالذات. أمَّا بعد إجراء الإنتخابات بنجاح، إن شاء الله، فإن دورنا سيكون في المباشرة الفعلية في إنتفاضة الإستقلال الأمنية التي ترتكز على إعادة الهيكلية والإصلاح والتدريب كما جاء في تقرير لجنة تقصي الحقائق.
إذ تستنتج اللجنة أن استعادة أجهزة الأمن اللبنانية نزاهتها ومصداقيتها أمر حيوي للغاية في سبيل توفير الأمن والإستقرار لهذا البلد. ومن أجل بلوغ هذا الهدف ينبغي إعادة الهيكلة والإصلاح والتدريب. ومعلوم أن ذلك يتطلب عون المجتمع الدولي والتزامه الإيجابي. ومعلوم أن إصلاح الأجهزة يندرج ضمن الأولويات الست التالية, وهي: ـ فك إرتباط الأمن عن السياسة وإنشاء أجهزة أمنية مهنية متخصصة. ـ تحويل أجهزة الأمن الى أجهزة وطنية وذلك بفصلها عن النفوذ الأجنبي ورفعها فوق الشؤون الطائفية. ـ إنشاء شرطة ديمقراطية تولي إهتماماً خاصاً بالقانون وحقوق الإنسان. ـ رسم خطوط واضحة في الرجوع الى المسؤولية ـ بناء القدرة الذاتية العضوية. ـ وضع شروط واضحة للمحاسبة والإشراف القضائي.
إن رؤيتنا للإصلاحات المستقبلية، أو ما نسميه إنتفاضة الاستقلال الأمنية، تقوم على مواكبة أجيالنا الصاعدة في نظرتها الى المجتمع اللبناني الحديث، حيث تسود مفاهيم حقوق الإنسان والإحترام والديمقراطية وحرية التعبير واحترام القوانين في نصوصها وروحها، من خلال تطبيق هذه المبادىء الإنسانية السامية في تحقيقاتنا، وإجراءاتنا العملية، وكذلك في طريقة تنشئة رجالنا، وإشادة مبانينا ومخافرنا، وإعادة هيكلة مؤسستنا.
ولا يخفى على أحد أن هيكليتنا التنظيمية تتناقض بشكل كبير مع الهيكليات التنظيمية للأجهزة المماثلة. فمن منا لا يدرك أن أكثر من نصف رجالنا يتوزعون على المكاتب والثكنات والحراسات والمرافقات، فيما تعاني مخافرنا ودورياتنا من نقص في العديد. - فهل يعقل لمؤسسة مؤلفة من عشر وحدات أن تتولى ثلاث وحدات منها فقط المهمات الميدانية والعملانية، فيما تقوم الوحدات السبع الباقية بأعمال إدارية وقيادية وأعمال مساندة وأعمال بيروقراطية. - وهل يعقل أيضاً، ونحن في القرن الحادي والعشرين، ألا تتم مواكبة الثورة العلمية الحديثة، وما فيها من تقنيات في مجال الإتصالات والمعلوماتية وفي مجال المباحث العلمية المتخصصة. - وهل يعقل أيضاً أن يتحول البعض من رجال الأمن إلى سماسرة وجباة وحماة للخارجين عن القانون ولبعض المصالح المدانة إجتماعياً.
إن الخروج من هذا الواقع الأليم ممكن، وذلك من خلال تفعيل قدراتنا الذاتية والإعتماد على حيوية مجتمعنا المدني، وعلى المساعدة الفنية الدولية والعربية، وعلى إرادة التغيير لدينا لتحقيق الحلم الذي يراود كل طَمُوحٍ منَّا. إن ما ورد أعلاه ليس مجرد وعود وتمنيات وإنما هو حقائق تستند على واقع المساعدة الدولية وحيوية المجتمع المدني اللبناني والإمكانات الذاتية لهذه المؤسسة الغنية برجالها وتاريخها وتجربتها.
أعدكم بكلام قليل، وعمل أكثر إن شاء الله وإني أعتبر أن تحقيق ما أسميته بإنتفاضة الإستقلال الأمنية هو معيار نجاحنا أو فشلنا. إن تحقيق هذه الشروط يتطلب إعداد ورشة عمل جدية وفاعلة لإعادة هيكلية وتنظيم قوى الأمن الداخلي على الأسس الإنسانية المتعارف عليها عالمياً حيث يصبح رجالنا رجال ميدان وتجربة على أرض الواقع وليس رجال بيروقراطية يحكمون من وراء مكاتبهم. وسوف نبدأ بتحضير مشروع متكامل لإعادة هيكلة هذه المؤسسة، نضعه بين أيدي المسؤولين المعنيين لدراسته وإحالته الى مجلس النواب لإقراره والعمل به.
ولا بدَّ لي أن أوجه الدعاء لروح الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولروح النائب الشهيد باسل فليحان وأرواح من سقط معهم ولكافة شهداء لبنان, أعاننا الله على كشف هذه الجريمة , جريمة العصر, لنكون أوفياء.
ختاماً, أذكركم أن مهمتنا الأولى والأساسية هي إستعادة ثقة المواطنين بمؤسستنا. أتمنى لكم ولقوى الأمن الداخلي النجاح. عشتم, عاشت قوى الأمن الداخلي وعاش لبنان. اللواء أشرف ريفي
|
|